الجمعة، 18 أبريل 2014

الرد على حلقة سؤال جريء 336 النقد النصّي للقرآن

الرد على حلقة سؤال جريء 336
النقد النصّي للقرآن

السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبة ومن والاه وبعد ،

أحبتي في الله .. لا رشيد ولا الذي معه يعرف معنى النّقد النّصي.. فالنّقد النّصي ببساطة هو العلم المختص بدراسة النُّسخ لِأي عمل مَكتوب , والذي لا نعرف شيء عن نسخه الأصليه , بهدف تعيين النص الأصلي الذي كتبه المؤلف. فهل القرآن الكريم نزل مكتوباً على سيدنا محمد - صلى الله عليه و سلم - حتى نقول أنَّ أصله ضاع و نُطَبّق عليه هذا العِلم ؟ لا، فالمصدر الأول لِوُصول القرآن الكريم إلينا هو السماع تواتراً ثُمّ كتابةً، فهذا العِلم يجب أن يُطَبق على الكتاب المُقدس.. و طبعاً يوجد إخوة متخصصين في هذا العِلم و طَبّقوه على الكِتاب المقدس منهم الأخ أبو المنتصر شاهين (التَّاعب) و الإخوة أصحاب مدونة النّقد النَّصي للعهد القديم...

الدقيقة (5:53 6:33) :
أولاً : كلام هذا الأستاذ حول تاريخ العربية و اعتباره مشكل فهذا جهل، فاللغات السامية - و من و بينها العربية - تاريخها بالضبط مجهول..
ثانياً : كلامه كله باطل، و لا نعلم أن هنالك روايات تقول أنَّ لغة الشِّعر كانت مُوَحَّدة و هي الفصحى، إلا إن اختلقها من نفسه فالله أعلم. و اللغة العربية الفُصحى أصلها لغة قريش على القول الصحيح و ليست مجرد لهجة كما ادّعى... فقوله مبني على ظنون المستشرقين  التّي لا تُغني من الحقّ شيأً، كما أن قوله "أنّ لغة الشعر و الأدب كانت موحّدة" لا دليل عليه إلا الظن.. و من له اطلاع على أشعار العرب سيجد خلاف ذلك... وسنعطي أمثلةً بسيطةً على أن لغة قريش هي أصل الفصحى :

1.   ما النافية المشبهة بليس، تُستعمل في الفصحى على نحو ما يستعملها أهل الحجاز
2.   فتح أوائل الأفعال المضارع لغة أهل الحجاز، وهو المستعمل في الفصحى، بينما لغة جميع العرب ما عداهم الكسر
3. بنو تميم يقولون: إحدى عَشِرَة، بكسر الشين، وأهل الحجاز يقولون: إحدى عَشْرَة بتسكينها، وهو المستعمل في الفصحى
4. أهل الحجاز يكسرون (أمس) في كل موضع، وبنو تميم يضمونه في الرفع، ويكسرونه في النصب والجر، والفصحى على الأول
5.   بنو تميم يكسرون أول صيغة (فعيل) وأهل الحجاز يفتحونها، وهو القياس وعليه الفصحى
6. بنو تميم يقولون في الوقف: هذهْ، بإسكان الهاء، فإذا وصلوا قالوا: هذي فلانة، وأهل الحجاز وغيرهم من قيس ألزموها الهاء في الوقف وغيره.

الدقيقة ( 6:42 – 7:42 )
أما عن قول رشيد يجب قراءة القرآن الكريم قراءة سريانية، فلا نعلم ما الدافع لذلك واللغة العربية تعتبر من أقدم اللغات السامية، يقول مطران دمشق إقليميس يوسف داود :
(ثم اعلم أن اللغة السريانية هي إحدى اللغات المعروفة بالسامية التي يتكلم بها بنو سام بنو نوح. و أشهر اللغات السامية هي العربية و العبرية و السريانية و الحبشية بفروعهن الكثيرة. و إنما ذكرنا العربية أولا بين اللغات السامية لأن العربية باعتراف جميع المحققين هي أشرف اللغات السامية من حيث هي لغة وأقدمهن وأغناهن. ومعرفتها لازمة لكل من يريد أن يتقن حسنا معرفة سائر اللغات السامية و لا سيما السرياني) [i]
ويقول الأستاذ إيميل يعقوب :
(ذكرنا قبل قليل، في حديثنا عن أقدم لغة سامية، أن ثمة نظرية تذهب إلى أن اللغة العربية هي أقرب اللغات السامية إلى اللغة السامية الأم. و الواقع أن لهذه النظرية ما يسوّغها، بل إنها أصبحت عند الباحثين أرجح النظريات جميعها لأنها احتفظت بعناصر قديمة ترجع إلى السامية الأم أكثر مما احتفظت به الساميات الأخرى. ففيها من الأصوات ما ليس في غيرها من اللغات السامية، و فيها ظاهرة الإعراب و نظامه الكامل و فيها صيغ كثيرة لجموع التكسير، و غير ذلك من ظواهر لغوية، يؤكد لنا الدارسون أنها كانت سائدة في السامية الأولى التي انحدرت منها كل اللغات السامية المعروفة لنا الآن.)[ii]
ثم قال رشيد أن تاريخ اللغة العربية مجهول.. و نسي أن كل اللغات على هذا المِنوال...
أما زعمه أنَّ القرآن الكريم الذي بين أيدينا الآن محتلف عن الشكل الذي كتب به في عهد رسول الله عليه الصلاة و السلام فهو باطل من عِدة أوجه و هذا ما سيأتي إن شاء الله و خُلاصته أن القرآن الكريم وصل إلينا بالسّماع تواتراً عن النبي صلوات ربي و سلامه عليه.

الدقيقة (8:14 )
أولاً ما زعمه رشيد مع دكتوره جابريال صوما.. فهذه الحلقة تمّ الرّد عليها في هذه المدونة بالأدلة الدّامغة و إن شاء الله سنُفرد لها حلقة خاصة على اليوتيوب...
و زعمه عن إمكانية تنقيط القرآن الكريم بشكل غير الذي وصل إلينا الآن باطل، لأنَّ القرآن الكريم وصل إلينا بالسَّماع تواتراً كما تقدم معنا، و ليس فقط مكتوباً.
و الخطأ الفادح الذي بنى عليها رشيد حلقته هو اعتماده على النص للطّعن في القرآن الكريم، و نسي أو تجاهل أن القرآن الكريم نُقِل إلينا عن طريق السماع لا عن طريق الكتب (وسنبين هذا بالدليل إن شاء الله)، و كما يقول المثل (كل ما بني على باطل بهو باطل) فحلقة رشيد باطلة.
كما قلنا آنفا أنَّ القرآن الكريم نقل إلينا عن طريق السماع و الحفظ في الصدور لا عن طريق النص المكتوب كما وصل إلينا الكتاب المقدس، وسنضع الأدلة في نقاط حتى يتضح الأمر للقارئ الكريم :

أولاً : نقل القرآن الكريم بالحفظ :
القرآن الكريم لم يكن مصدره الأساسي لوصوله إلينا هو النص المكتوب و لن يكون كذلك إلى أن يرث الله الأرض و من عليها، و لكن بالحفظ و التلقين، فالقرآن الكريم قاله الله لجبريل عليه السلام، و حَفَّظَه هذا الأخير للنبي عليه الصلاة و السلام، و النبي صلى الله عليه و سلم حَفَّظَه للصحابة رضوان الله عليهم، و هم حَفَّظُوه للتابعين و التابعين لأتباعهم... حتى وصل إلينا بالتواتر. و لدينا ولله الحمد أسانيد متصلة السند إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم متواترة للقراءات العشر، التي قال رشيد عنها أنها نابعة عن اختلاق الصحابة في تنقيط القرآن الكريم، و سنورد أدلة على بطلان هذا القول بهذه ، و لِعدم إطالة الرد سنذكر سندين لروايتين فقط :

رواية حفص ابن سليمان عن عاصم:
عن عاصم ابن سليمان الأسدي الكوفي، عن عاصم بن أبي النَّجود الكوفي التابعي، عن أبي عبد الرحمان عبد الله السلمي عن عثمان ابن عفَّان، و علي ابن أبي طالب، و زيد بن ثابت، وأبي بن كعب (رضي الله عنهم أجمعين) عن رسول الله صلى الله عليه و سلم.

رواية ورش من طريق الأزرق :
عن أبو يعقوب يوسف بن عمرو بن يسار بن عمرو المدني ثم المصري المعروف بالأزرق ، عن أبي سعيد عثمان بن سعيد المصري الملقب بورش ، عن نافع بن عبد الرحمان ابن أبي نعيم المدني ، عن أبي جعفر بن يزيد ابن القعقاع و أبي داود عبد الرحمان بن هرمز الاعرج و شيبة بن نصاح القاضي و أبي عبد الله مسلم بن جندب الهذلي مولاهم و أبي روح يزيد بن رومان ، عن أبي هريرة و ابن عباس و عبد الله ابن عياش بن أبي ربيعة ، و أبّي بن كعب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .

ثانياً : أقوال أهل العِلم في نقل القرآن الكريم :
سنذكر فقط بعضهم حتى لا يطول الرد :
قال الإمام جلال الدين السيوطي – رحمه الله - :
(اعلم أن حفظ القرآن فرض كفاية على الأمة صرح به الجرجاني في الشافي والعبادي وغيرهما الجويني والمعنى فيه ألا ينقطع عدد التواتر فيه فلا يتطرق إليه التبديل والتحريف فإن قام بذلك قوم يبلغون هذا العدد سقط عن الباقين وإلا أثم الكل)[iii]
قال إمام المفسرين الحافظ ابن كثير – رحمه الله - :
(فأما تلقين القرآن ؛ فمن فم الملقن أحسن ؛ لأن الكتابة لا تدل على الأداء ، كما أن المشاهد من كثير ممن يحفظ من الكتابة فقط ؛ يكثر تصحيفه وغلطه.)[iv]
قال العلامة ابن الجزري – رحمه الله - :
(إن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور لا على خط المصاحف والكتب وهذه أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمة.)[v]

ثالثاً : كلام رسول الله صلى الله عليه و سلم :
عن عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب وقال إنما بعثتك لأبتليك وأبتلى بك وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما ويقظان.)[vi]

و قال الإمام القرطبي – رحمه الله –
(أي يسرت تلاوته وحفظه ، فخف على الألسنة ، ووعته القلوب ، فلو غسلت المصحاف لما انغسل من الصدور ، ولما ذهب من الوجود ، ويشهد لذلك قوله تعالى : {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} ( 9 ) الحجر .)[vii]

و قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - :
(والاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب لا على المصاحف، كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه أنه قال : " إن ربي قال لي أن قم في قريش فانذرهم ، فقلت : أي رب ، إذ يثلغوا رأسي اي يشدخوا فقال : إني مبتليك ومبتل بك ، ومنزل عليك كتاباً لا يغسله الماء تقرؤه نائماً ويقظاناً ، فابعث جنداً ابعث مثليهم ، وقاتل بمن أطعك من عصاك ، وأنفق أنفق عليك " . فأخبر أن كتابه لا يحتاج في حفظه إلى صحيفة تغسل بالماء ، بل يقرؤه في كل حال ، كما جاء في نعت أمته " أناجيلهم في صدورهم " بخلاف أهل الكتاب الذين لا يحفظونه إلا في الكتب ، ولا يقرؤونه كله إلا نظراً لا عن ظهر قلب .) [viii]

رابعاً : قول الله عز و جل :
قال سبحانه و تعالى : {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ۚ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ} [سورة العنكبوت الآية 29]
و قال أيضاً سبحانه و تعالى : {لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19)} [سورة القيامة]
و قال عز و جل : {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى} [سورة الأعلى الآية 6]

خامساً : إجازات في قراءة القرآن الكريم و تجويده :

إجازة القارئ الشيخ مشاري بن راشد العفاسي :



إجازة القارئ جمال شاكر يوسف عبد الله :


إذاً نستنتج من هذه النقاط فائدة عظيمة، أنَّ المصدر الرئيسي لنقل القرآن الكريم هو السماع تواتراً و المشافهة و التلقين و ليس الإعتماد على المكتوب كما هو حال الكتاب المقدس، لذلك أي محاولة للطعن في سلامة القرآن الكريم من التحريف ستبوء بالفشل كما هو حال حلقة رشيد...

ثم قال رشيد : (إذاً فاحتمال قرائتها يمكن يعطينا قراءات أخرى ليست المعاني التي أعطيت للنص أو الشكل أو التنقيط الذي للنص بالضرورة هو هو المقصود في الأول ربما تمت قراءة النص خطأً ربما عن تعمد تم تغييره ربما أشياء كثيرة..) وهذا الإدعاء باطل لا أساس له من الصحة.
أولاً : وقبل أن نرد على هذا الكلام، لاحظ أيها القارئ الكريم كلام رشيد، فكلامه مبني على ظنون واحتمالات، ونعجب كيف لرشيد أن يسمي هذه مادةً علمية ولا نرى دليلاً على ما جاء به إلا احتمالات وظنون..
ثانياً : لقد تقدم معنا أنَّ القرآن الكريم وصل إلينا بالسماع توتراً و ليس النص، فإلى هنا نكون قد رددنا على حلقة رشيد كلها و كما قُلنا كل ما بُني على باطل فهو باطل، و لا بأس أن نكشف للقارئ الكريم جهل و كذب علاّمة عصره..
ثالثا : تنقيط القرآن الكريم اعتمد على الحفظ و ليس على النص و نعطي مثالاً يسحق كل ما أتى به رشيد.


1- تقدم معنا في (أولاًّ نقل القرآن الكريم بالحفظ) أن القرآن الكريم وصل إلينا بالسمع تواتراً و ليس بالنصوص..  و هذه النقطة كفيلة بالرد على ما ادعاه رشيد لأنه كما تقدم معنا أنَّ المصدر الرئيسي لنقل القرآن الكريم إلينا هو السماع و التلقين و المشافهة تواتراً و لم يكن قطّ الإعتماد في نقل القرآن العظيم إلينا على المكتوب و لن يكن أبداً كذلك، فالنص إنما جُعل للعامة
2- قال الحافظ ابن حجر العسقلاني - رحمه الله – :
(قال بن أبي هشام أن السبب في اختلاف القراءات السبع وغيرها أنّ الجهات التي وُجِّهت إليها المصاحف كان بها من الصحابة من حمل عنه أهل تلك الجهة وكانت المصاحف خالية من النقط والشكل قال فثبت أهل كل ناحية على ما كانوا تلقوه سماعاً عن الصحابة بشرط موافقة الخط وتركوا ما يخالف الخط امتثالا لأمر عثمان الذي وافقه عليه الصحابة لما رأوا في ذلك من الاحتياط للقرآن فمن ثم نشأ الاختلاف بين قراء الأمصار مع كونهم متمسكين بحرف واحد من السبعة
3- تقدمت معنا إجازات متصلة السند إلى رسول الله عليه الصلاة و السلام لقراءة القرآن الكريم و تجويده، و هذا دليل قاطع على أنَّ القراءة التي نقرأ بها الآن (مخارج الحروف و كل شيء) هي نفسها التي نزل بها القرآن الكريم لأن رسول الله هو من علمنا ذلك.


إذاً عزيزي القارئ كما يتضح لك من كل هذه النّقاط أن ما جاء به رشيد باطل، فالقرآن الكريم  نُقِل إلينا بالسماع تواتراً و المشافهة و التلقين و ليس اعتماداً على النص المكتوب، فالمصاحف كُتِبت حتى تَسْهُل القراءة على العامّة و ليست مصدراً لنقل القرآن الكريم، لأنَّ كلمات لو ضَلَّ القارئ يحاول قِرائتها لما استطاع و إنما تحتاج شيخاً وصلته عن طريق السماع تواتراً عن النبي عليه الصلاة و السلام كما تقدم معنا في الإجازتين. و بما أنَّ القرآن الكريم وصل إلينا عن طريق السماع فما قاله رشيد عن مسألة تنقيط القرآن الكريم و مسألة تغير شكله فهي مردودة، إذ لا دليل صحيح صريح عليها، و بَينَّا أنّ القرآن الكريم لم يُنقل إلينا عن طريق النص بل السماع.

أما قول رشيد أن الإعراب تَمَّ إدخاله إلى العربية، فصراحةً لا نجد وصفاً نصف به من يتفوه بهذا الكلام، فالإعراب والإشتقاق والنحو وغيره ليست علوماً أُدخلت على اللغة ، بل العرب كانت تنصب المفعول وترفع الفاعل وتجر الاسم المجرور وتنطق الكلام وفقاً لقواعد النحو تماماً ، لكن لم يكن علم النحو قد وضع بعد لأنها لم تكن تحتاج قواعد النحو حتى تنطق الكلام صحيحاً لأنهم كما ذكرنا كانت لغتهم فصيحة ، فلما بدأت الفتوحات الإسلامية تكثر وبدأ اختلاط العرب بالعجم وبدأ الناس يلحنون- أي يخطؤون- في اللغة العربية ، أمر علي بن أبى طالب أبا الأسود الدُّؤلي أن يجمع قواعد اللغة العربية ويضع علم النحو ، وعلم النحو يُؤخذ من القرآن الكريم وكلام العرب .
فالنحو أصلاً مأخوذ من كلام العرب وليس بدعة في اللغة العربية ، بل هو قواعد النطق السليم للكلمات كما كانت تنطقها العرب .
ولو فتح رشيد أي كتاب في النحو فى حياته لوجد العلماء يأتون بالأدلة على القواعد النحوية من أشعار العرب والقرآن الكريم ، ككتاب ( شرح الأجرومية لابن عثيمين رحمه الله ) ، وكذلك باقي العلوم اللغوية فهي كلها كانت موجودة فى لغة العربية ويستخدمون المحسنات البديعية والألوان البيانية في كلامهم ولكن دون تسميتها بعلم البلاغة، فقيام العلماء بالتصنيف فى هذه العلوم ليس ابتداعاً لها وإدخالها على اللغة.

الأخطاء النحوية التي زعمها رشيد و منذر يونس :

أولاً: لو كان بالقرآن أخطاء نحوية ،هل أبو لهب وغيره من العرب الأقحاح الذين عرفوا بالفصاحة والبلاغة والبيان لم يستطيعوا وقد سبق أن العرب كانوا أهل فصاحة وبلاغة - أن يجدوا هذه الأخطاء فى القرآن خصوصاً أن تحدى القرآن لهم كان فى أن يأتوا بمثل القرآن، وهم كانوا يتمنون مثل هذه الأخطاء ليردوا بها على النبى صلى الله عليه وسلم؟
ثانياً: هل علماء اللغة العربية وفطاحلها منذ العصر الإسلامى حتى الآن ك (سيبويه) و(أبى الأسود الدُّؤلd) و (الفراهيدى) و(الخليل بن أحمد) وغيرهم لم يكتشفوا هذه الأخطاء اللغوية ؟ ، وأنت يا جهبذ يا علامة اكتشفت هذه الأخطاء !!!!
ثالثاً : هذه الآيات ليس فيها أخطاء ، وكل الآيات التى يزعم هؤلاء أن بها أخطاءً نحوية قد رد عليها العلماء قديماً وحديثاً وبينوا جهل أصحابها ، والرد على هذه الشبهة نوعان : رد مجمل  ورد مفصل .
فأما المجمل :
1- قواعد النحو تؤخذ من القرآن كمصدر أساسي وكلام العرب ، فلا يمكن أصلاً أن تحكم على القرآن بالنحو ، بل النحو هو الذي يحكم عليه و يُؤخذ من القرآن.
2- إنَّ القرآن نزل بلغة العرب ، والعرب تختلف فيما بينها فى اللهجات وفى بعض القواعد.
وأما الرد المفصل :
فكل خطأ مزعوم تم الرد عليه سابقاً ، وسنرد هنا على الخطأين اللذان زعمهما الكذاب الأشر منذر يونس فى اللغة:

-      قوله تعالى: {مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ} سورة يوسف
معلوم أن ما تنقسم إلى : عاملة وغير عاملة :
فأما غير العاملة :فهى لا تؤثر على الجملة  ولا تغيّر فى إعرابها وتعرف بالتميمية .
وأما العاملة :فهى تعمل عمل (ليس) فبالتالى تنصب خبراً لها لأن (ليس) من الأفعال الناسخة ترفع لها مبتدأ وتنصب خبراً لها إذا كانت ناقصة .
وما في الآية عاملة لأنه توافرت فيها شروط العمل ، فبالتالى قوله تعالى ( بشراً ) يكون إعرابه : خبر ما منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره لأنه خبر ما العاملة .
فقوله تعالى ( بشراً ) هو الصحيح الموافق لقواعد النحو وليس كلام الجاهل منذر يونس.

-      قوله تعالى: { إن هذا لساحران }
يزعمون أن فيه خطأ والصواب (إن هذين لساحران) لأن اسم إن يكون منصوباً.
وذلك يثبت جهل منذر يونس بالعربية تماماً ، فإن الحرف (إنْ) جاء فى الآية مخففاً لا مشدداً ، وحرف (إن) لو جاء مخففاً بدون شدة فإنه لا يكون عاملاً فلا يؤثر فى الجملة ولا ينصب المبتدأ ، وعلى هذا فقوله تعالى ( إن هذان لساحران ) هو الصواب.
قال ابن عقيل في شرحه للألفية-ألفية ابن مالك-(1/346).: "إذا خففت "إن" فالأكثر في لسان العرب إهمالها؛ فتقول: إن زيدٌ لقائم"
وهذا بالنسبة لرواية حفص عن عاصم التى أثيرت حولها الشبهة ، أما الروايات الأخرى فاختلفت فى قراءة الآية ولكل منها وجهها أيضاً فى النحو .

أما قول منذر يونس الذي خلاصته (كان التنقيط فى المصحف موجوداً ثم أزيل ويروى عن ابن عباس قوله: جردوا المصاحف ، فهذه محاولة لإعادة قراءة النص بشكل مختلف)، أولاً التنقيط كان معروفاً عند العرب و ليس موجوداً في القرآن الكريم، أما الأثر الذي استشهد به فهو من قول ابن مسعود رضي الله عنه و ليس ابن عباس رضي الله عنه، و كان حديثه عن تجريد المصاحف من كل ما هو ليس من القرآن الكريم حتى لا يختلط به و ليس كما قال...

أما قوله عن قوله عز و جل (فتثبتوا) و (فتبينوا) و أنه يجوز قرائتها ما دامت توافق الرسم، فهذا أولاً جهل بقراءات القرآن الكريم، ثانياً بشروط قبول القراءة.

أولاً :  لقد نزل القرآن الكريم على النبى صلى الله عليه وسلم من الله عز وجل فقال الله عز وجل القرآن وسمعه منه جبريل ونزل به على النبى صلى الله عليه وسلم ، وقد قرأ جبريل عليه السلام القرآن على النبى صلى الله عليه وسلم بعدة قراءات مختلفة عن بعضها فى بعض الأمور كالتنقيط والتشكيل وإعراب بعض الكلمات ، وكل هذه القراءات المختلفة نزلت من أجل التيسير على الناس فلا يُلزمون بقراءة واحدة ، فالقرآن نزل على سبعة أحرف وهذه السبعة أحرف تَضُّم قراءات مختلفة للقرآن الكريم  فالنبى صلى الله عليه وسلم قرأ القرآن كله بهذه القراءات جميعاً وعلَّمها للصحابة فعلَّم كل صحابي قراءة :
- عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول :سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأنيها، وكدت أن أعجل عليه ثم أمهلته حتى انصرف ثم لببته بردائه فجئت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : "إني سمعت هذا يقرأ على غير ما أقرأتنيها" فقال لي: أرسله ،ثم قال له :"اقرأ" فقرأ، قال:" هكذا أنزلت" ثم قال لي:" اقرأ" فقرأت فقال :"هكذا أنزلت إن القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا منه ما تيسررواه البخارى.

- وأخرج أبو يعلى في "مسنده" أن عثمان رضي الله عنه قال وهو على المنبر: "أُذَكِّرُ الله رجلاً سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أنزل القرآن على سبعة أحرف، كلها شافٍ كافٍ" لَمَّا قام، فقاموا حتى لم يُحْصَوا، فشهدوا بذلك، فقال: وأنا أشهد معهم".

 وظل الصحابة يقرأون القرآن بالقراءات ونقلوه للتابعين والتابعين نقلوه للقراء والقرّاء نقلوه لتلامذتهم ، فكان الإعتماد فى نقل القرآن والقراءات القرآنية هو سماع التلميذ قراءة القرآن من شيخه جيلاً تلو جيل حتى نصل إلى النبى صلى الله عليه وسلم ، وقد عرضنا سابقاً سند رواية حفص عن عاصم إلى النبى صلى الله عليه وسلم ، فظلت قراءات القرآن محفوظة ، ومن أمثلة الإختلافات بين القراءات قوله تعالى : " فتبينوا " فقد قرأها آخرون " فتثبتوا" وكلا القرائتين ثابتتين عن النبى صلى الله عليه وسلم ، وقد انتشرت هذه القراءات فى البلاد الإسلامية وحتى نميّز القراءة الصحيحة التى يجوز أن يقرأ بها القرآن من القراءة التى لم تثبت أنها نزلت ويجوز أن يقرأ بها القرآن.

ثانياً : وضع العلماء ثلاثة شروط للقراءة الصحيحة:
-       صحة سندها إلى النبى صلى الله عليه وسلم
-       موافقتها للرسم العثمانى
-       موافقتها لوجه من وجوه اللغة العربية
قال الإمام ابن الجزري – رحمه الله - :
(كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا وصح سندها فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها، ولا يحل إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ، ووجب على الناس قبولها سواء كانت عن الأئمة السبعة أم عن العشرة أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين، ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة أو شاذة أو باطلة سواء كانت عن السبعة أم عمن هو أكبر منهم، هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف.)[x]
و كلتا القرائتين تتوفر فيهما هذه الشروط، فقراءة (فتثبتوا) هي قراءة الكسائي و لها طبعاً سند متواتر عن رسول الله عليه الصلاة و السلام، فهذه القراءة لم تتلقاها الأمة بالقبول لأنها توافق الرسم فقط ولكن لأنها توافق الشروط الثلاثة.
و ظنه أنّ القراءات ناتجة عن تنقيط المصحف فهو باطل وقد بيناه آنفاً لأن القرآن الكريم نُقل إلينا عن طريق السماع تواتراً لا عن النص المكتوب، و قبول القراءة مبني على ثلاثة شروط كما تقدم معنا. و أمّا قوله عن هاتين القراءتين (فهذا يثبت أن الرسم كان هو المهم و يمكن قراءته بشكل مختلف)، و قد بينا أن هذا القول باطل من عدة أوجه أن الحفظ في الصدور هو المهم و ليس الرسم، و هنا لنا سؤال لهذا العلامة، إذا كان الرسم هو المهم فلماذا لم يختلفوا في تنقيط الآية كاملة ؟ لماذا فقط (تبينوا و تثبتوا) علماً أن لهما نفس المعنى ؟  و على كل حال فهذا باطل كما تقدم معنا.

سورة العاديات


{والعاديات ضبحاً}
قال منذر يونس : (والغاديات صبحاً، فالغدو بشكل عام و الصبح يعني فيه ترابط وعلاقة قوية جداً والغاديات صبحاً... الغاديات في الصباح)

صراحةً لا نعلم كيف يقول هذا الدكتور أن جملة (الغاديات صبحا) مترابطة وهو لا يعلم حتى معناها.. وكما تلاحظ عزيزي القارئ فمنذر يونس يظن أنَّ (الغاديات) مشتقة من الغدوّ وهذا جهل باللغة العربية فالغاديات جمع غادية أي السحابة التي تنشأ فتمطر في الصباح وليس كما قال.

قال ابن منظور – رحمه الله :
(والغادية: السحابة التي تنشأ غدوة )[xi]  كما أن المعنى ركيك و لا يستقيم، فأصلاً الغاديات تعني السحابة التي تمطر في الصباح، فكلمة (صبحاً) زائدة لا دور لها لأنّ مجرد الكلمة (الغاديات) معناها واضح.. فإذاً معنى الجملة ركيك و غير مترابط كما قال.
و الصحيح ما قاله سبحانه و تعالى {والعاديات ضبحاً}، و العاديات من العدو أي الجري بسرعة، جاء في المعجم الوسيط : (عدا – عَدْواً، و عُدُوّاً، و تَعْداءً، و عَدَواناً : جرى)[xii]،

و قال محمد الطاهر ابن عاشور – رحمه الله :
(أقسم الله بـ ( العاديات ) جمع العادية ، وهو اسم فاعل من العدو ، وهو السير السريع يطلق على سير الخيل والإبل خاصة)[xiii].
أما الضبح فقال – رحمه الله - : (والضبح لا يطلق على صوت الإبل في قول أهل اللغة . فإذا حمل ( العاديات ) على أنها الإبل ، فقال المبرد وبعض أهل اللغة : من جعلها للإبل جعل ( ضبحا ) بمعنى ضبعا ، يقال : ضبحت الناقة في سيرها وضبعت ، إذا مدت ضبعيها في السير .
وقال أبو عبيدة :
ضبحت الخيل وضبعت ، إذا عدت ، وهو أن يمد الفرس ضبعيه إذا عدا ، أي : فالضبح لغة في الضبع ، وهو من قلب العين حاء . قال في الكشاف " وليس بثبت " . ولكن صاحب القاموس اعتمده وعلى تفسير ( العاديات ) بأنها الإبل يكون الضبح استعير لصوت الإبل ، أي : من شدة العدو قويت الأصوات المترددة في حناجرها حتى أشبهت ضبح الخيل ، أو أريد بالضبح الضبع على لغة الإبدال.)[xiv]
كما أن الإختلاف الذي ذكره رشيد عن ابن عباس و علي ابن أبي طالب رضي الله عنهما لا يطعن في السورة بل هو يثبت إعجاز القرآن الكريم لأن السورة احتملت معنيين عظيمين، الأول الجهاد في سبيل الله و هو قول ابن عباس و الثاني الحج و هو قول علي ابن أبي طالب و القول الثاني هو المراد بالآية و الله أعلم لأن له ما يسوغه.
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني – رحمه الله:
((روى بن مردويه بإسناد أحسن منه عن بن عباس قال سألني رجل عن العاديات فقلت الخيل قال فذهب إلى علي فسأله فأخبره بما قلت فدعاني فقال لي إنما العاديات الإبل من عرفة إلى مزدلفة...) الحديث)[xv]، 
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله :
(وأما الإيقاد فهو بدعة مكروهة باتفاق العلماء . وإنما الإيقاد بمزدلفة خاصة بعد الرجوع من عرفة وأما الإيقاد بمنى أو عرفة فبدعة أيضا.)[xvi]، و ذكرنا قول شيخ الإسلام رحمه الله لأن يتكلم عن الحج و علي رضي الله عنه فسر الآية بالحج فاتفق قول شيخ الإسلام و علي رضي الله عنه. كما أن ابن مسعود رضي الله عنه قال بقول علي رضي الله عنه..
و قد فسر الإمام الألوسي - رحمه الله-  هذا الإختلاف بين الصحابة رضي الله عنهم :
(واستشكل رده (علي) كرم الله تعالى وجهه كون المراد بها الخيل بما كان من أمر غزوة بدر بأن ابن عباس لم يدع أن أل في العاديات للعهد وأنها إشارة إلى عاديات بدر ولا أن السورة نزلت في شأن تلك الغزوة ليلزم تحقق ذلك فيها ودخولها تحت العموم بل ظاهر كلامه حمل ذلك على جنس الخيل التي تعدو في سبيل الله عز وجل.)[xvii]، و هذا عين الحقّ، فالآية الكريمة لا تأمر بالحرب و لا تخبر عن حربٍ مضت، بل الله عز وجل أقسم بالعاديات (سواء خيل أو إبل) لبيان عظمة الجهاد في سبيل الله و كذلك لبيان عظمة الحج، كما أن ابن عباس رضي الله عنه لم يقل أن الآية مختصة بواقعة معنية بل كما قال الإمام الألوسي – رحمه الله – حمل ذلك على جنس الخيل التي تعدوا في سبيل الله.
و هنا نجيب على ما قاله رشيد :
(سؤال، إذا كانت مكية و شعرية و تصويرية و لا تريد إلا إقناع الناس بالله في الأول لأنه في المرحلة المكية لم يكن هناك هم الحرب و لا أي شيء فإذا بها تصير سورة تصف الحرب، ما دخل الحرب في المرحلة المكية الأولى ؟ )، أين في الآية يا رشيد الأمر بالحرب ؟ بل الآية قسم، و لا يقسم الله عز و جل إلا لعظم المقسوم به، و كلا المعنيين عظيمين سواء حج أو جهاد في سبيل الله. و الآية ليست شعرية يا رشيد فالقرآن ليس بشعر بل كلام رب العالمين. و هي فعلاً أقنعت الناس بشيئين عظيمين ألا و هما الحج و الجهاد في سبيل الله عز و جل.

{فالموريات قدحاً}
قال منذر يونس و رشيد أنَّ القدح هو النار اعتمادا على القواميس، و هذا خطأ أو لربما كذب لأن القدح وسيلة لإستخراح النار و ليست النار نفسها أو النور كما قال. وسنرجع أيضاً لهذه المعاجم و نقرأ بأنفسنا، جاء في المعجم الوسيط : ((استقدح) زَنْدَه : استخرج ناره)[xviii]، و أيضاً : ((القَدَّاحة) : حديدة الزَّند التي يُقدح بها لتُخرِج النَّار)[xix] ، و جاء أيضاً في المنجد في اللغة و الأدب و العلوم للأب لويس معلوف اليسوعي : (قَدَحَ – قَدْحاً بالزَّنْد :حاول إخراج النَّار منه)[xx]، قال الأصمعي : (يُقال للذي يُضْرَبُ فَتَخْرُجُ النَّار منه قَدَّاحةٌ)[xxi] و أخيراً قال الشَّنْفري يشبه نفسه في العدو ببعير : (إِذَا الْأَمْعَزُ الصَّوَّانُ لَاقَى مَنَاسِمِي تَطَايَرَ مِنْهُ قَادِحٌ وَمُفَلَّلُ)[xxii] و القدح لا يستقيم إلا مع العدو (أي الجري بسرعة) و هو من خصائص الخيل و الإبل و ليس من خصائص الإنسان كما ذكر منذر يونس، فالمعنى سيكون ركيكاً بل لا معنى له.
إذاً فكلام المفسرين صحيح لا غبار عليه و يستقيم سواء مع الإبل تعدوا للحج أو الخيل تعدوا في سبيل الله.

[الضمائر]
قال رشيد معترضاً على الضمائر في سورة العاديات : (فأثرن به نقعاً، بماذا ؟ فأثرن به نقعاً، ما هو الشيء المذكور هنا الذي أثرن به نقعاً ؟ لا يوجد أي شيء هنا أثرن به النقع..) (الضمير يعود دائماً على أقرب مذكور).
نُريد أن نُنَبِّه على شيءٍ أنَّ المفسرين رحمة الله عليهم ليسوا بمعصومين و اختلافهم في التفسير مجرد اجتهاد و لا يطعن البتة في القرآن الكريم. و نأتي الآن إلى تفسير هذه الضمائر التي اعترض عليها رشيد.
قال سبحانه و تعالى {فأثرن به نقعاً}، الهاء هنا تعود على العدو (الجري بسرعة) و الإغارة،

قال العلامة عبد الرحمان بن ناصر السعدي : ({ فَأَثَرْنَ بِهِ } أيبعدوهن وغارتهن { نَقْعاً } أي: غباراً)[xxiii].
و قال الإمام فخر الدين الرازي : ({ فأثرن به نقعا } يعني غبارا بالعدو)[xxiv] كما أن العلامة محمد الطاهر بن عاشور فَسَّر اختلاف المفسرين تفسيراً رائعاً، قال رحمه الله : (و أثرن به نقعا : أصعدن الغبار من الأرض من شدة عدوهن ،والإثارة : الإهاجة ، والنقع : الغبار .
والباء في ( به ) يجوز أن تكون سببية ، والضمير المجرور عائد إلى العدو المأخوذ من ( العاديات ) . ويجوز كون الباء ظرفية والضمير عائدا إلى ( صبحا ) ، أي : أثرن في ذلك الوقت وهو وقت إغارتها.)[xxv].
إذاً الهاء تعود على العدو و الإغارة و اختلاف المفسرين سببه أن اللغة العربية تحتمل عدة أوجه و تفاسير المفسرين التي أتى بها رشيد صحيحة لا مطعن فيه.
أما بالنسبة لمطاعن منذر يونس في كلمة (النقع) فلا أساس له من الصحة، فمن معانيه الغبار، قال ابن منظور رحمه الله :(والنَّقْعُ : الغُبار السَّاطع، وفي التنزيل {فأثرن به نَقْعاً} أي غُباراً، و الجمع نِقاع)[xxvi]، و ليس فقط كما قال منذر يونس (نقع الملابس في الماء) فمن معاني النقع الكثرة، مثلاً نقع الموت، و من معانه أيضاً القاتل كسُمٌّ ناقع، فالمعنى يؤخد حسب السياق، مثلاً الفعل رَكِبَ يعني صعد الشيء و علاه، كرَكِبتُ راحلتي، أي صعدت عليها، و لهذا الفعل معاني كثيرة، فإذا فعلنا كما فعل منذر يونس، سنفهم من قال لنا (رَكِبني الهم و الحزن) أن الهم و الحزن صعد عليه، أو (رَكِبني الدين) أي الدين صعد عليه، فسبحان الله...

أمَّا قول الله عز و جل : {فوسطن به جمعاً}
يرى منذر يونس أن الفعل (وسطن) غير صحيح لُغويّا بل يقول أنه غير موجودً، و هذا إما جهل باللغة العربية أو كذب (وإنا لنحسبه كذلك فتلك القناة شعارها الكذب)، فالعرب كانت تستخدم هذا الفعل في أشعارها، جاء في المعجم الوسيط : (وَسَطَ الشيءَ وَسَطَ ِ ( يَسِطُه ) وَسْطاً ، وسِطَةً : صار في وَسَطِه .
يقال : وَسَطَ القومَ ، ووَسَطَ المكانَ . فهو واسطٌ . و وَسَطَ القومَ ، وفيهم ، وَسَاطةً : توسَّط بينهم بالحقّ والعدل.)[xxvii].

جاء أيضاً في مختار الصحيح : ((وَسَطَ) : القوم من باب وَعَدَ وَ(سِطَةٌ) أيضاً بالكسر أيضاً توسطهم،
قال ابن منظور رحمه الله :
(وَوَسَطَ الشَّيْءَ : صَارَ بِأَوْسَطِهِ ؛ قَالَ غَيْلَانُ بْنُ حُرَيْثٍ :
وَقَدْ وَسَطْتُ مَالِكًا وَحَنْظَلًا     صُيَّابَهَا وَالْعَدَدَ الْمُجَلْجِلَا)[xxviii]
إذاً فالفِعل معروف ومشهور عند العرب، و قد قال منذر يونس جملة فلا نعلم أهو يزدري بها ذكاء المشاهد أم يستحمرنا، قال أن وسطن يعني يَتَفَضَّلْنَ، و نحن نتحداه أن يخرج لنا معجم واحد يقول أن من معاني الفعل (وسط) تفضل.
أما تفسير قوله عز وجل فقد قال محمد الطاهر ابن عاشور رحمه الله : (ومعنى ( وسطن ) : كن وسط الجمع ، يقال : وسط القوم ، إذا كان بينهم.
و ( جمعاً ) مفعول ( وسطن ) وهو اسم لجماعة الناس ، أي : صرن في وسط القوم المغزوين . فأما بالنسبة إلى الإبل فيتعين أن يكون قوله : ( جمعا ) وهو المزدلفة فيكون إشارة إلى حلول الإبل في مزدلفة قبل أن تغير صبحا منها إلى عرفة ، إذ ليس ثمة جماعة مستقرة في مكان تصل إليه هذه الرواحل)[xxix]، و من أسماء مزدلفة الجمع، و كلا المعنيين صحيحين سواء مع الجهاد و الحج و هنا قال العلامة محمد الطاهر بن عاشور كلمة تبين أن القرآن الكريم كتاب معجر فعلاً : (ومن بديع النظم وإعجازه إيثار كلمات ( العاديات وضبحا والموريات وقدحا ، والمغيرات وصبحا ، ووسطن وجمعا ) دون غيرها ؛ لأنها برشاقتها تتحمل أن يكون المقسم به خيل الغزو ورواحل الحج.)[xxx].

{إن الإنسان لربه لكنود}
اعترض كل من رشيد ومنذر يونس على قوله عز و جل (كنود) فقال منذر يونس (كنود مش موجودة باللغة العربية أبداً)، و ما سنفعله نحن هو فتح معاجم اللغة ونقرأ إن كانت موجودة أم كذب علينا.

جاء في (المنجد) للأب لويس معلوف اليسوعي :
(كَنَدَ – كُنُوداً النِّعمةَ : كَفَرها. الكُنُد، للمذكر و المؤنت : كافر النعمة. الكَنَّاد : الكَنود. الكَنود، للمذكر و المؤنت : الكافر النِّعمةَ|المعاصي | اللَّوام لربه أو الذي يعد المصائب و ينسى المواهب |البخيل | أرضٌ كَنودٌ : لا تُنْبِثٌ شيئاً)[xxxi]، و نقتصر على هذا المعجم المسيحي فقط لعدم الإطالة، و ما قاله منذر يونس من أنَّ (كبود) في العبري تعني (مُحْتَرَم بفتح الراء) و إن فرضنا جدلاً صحة هذا القول، هل المعنى مستقيم ؟ (إن الإنسان لربه لمُحْتَرَم) ؟ هذه الجملة لا معنى لها، الصحيح لمُحْتَرِم (بكسر الراء) لكن على كل حال كما قال هو (بفتح الراء) بالجملة لا معنى لها،كما أن كلمة (كبود) "כָּבוֹד" و تُنطَق (Kivod) و ليس كَبُود كما نطقها منذر يونس، زيادةً على هذا الكلمة لا تعني (محترِم أو مُحترَم) بل (مجد أو احترام) و بالتالي ستكون الآية (إن الإنسان لربه لإحترام)، فأي لغةٍ هذه ؟.. و من خلال المعاني التي تقدمت معنا تكون الجملة صحيحة لا مطعن فيها، سواء كافر، أو جاحد نِعمه أو يعد المصائب.
و قال العلامة محمد بن الطاهر عاشور رحمه الله :
(والكنود : وصف من أمثلة المبالغة من كند ، ولغات العرب مختلفة في معناه ، فهو في لغة مضر وربيعة : الكفور بالنعمة ، وبلغة كنانة : البخيل ، وفي لغة كندة وحضرموت : العاصي ، والمعنى : الشديد الكفران لله)[xxxii].
ثم اعترض منذر يونس و رشيد على هذه الآية بحجة أن فيها تناقض، إذ كيف يكون الإنسان كنود (بمعانيها) و هو (لحب الخير لشديد)، و هذا جهلٌ باللغة، فهما فَسَّرا قوله سبحانه و تعالى {و إنه لحب الخير لشديد} بمعنى فعل الخير و دليل ذلك أن منذر يونس قال (لعمل الخير)، و نحن نسأله .. أين في هذه الآية كلمة (لعمل) ؟ أم وصل الأمر للكذب ؟ الله المستعان ، الخير له معاني كثيرة في اللغة و يُفهَم حسب السياق ، و في هذه الآية أجمع المفسرون على أن المُراد بالخير هنا المال (لذلك رشيد لم يذكر أقوال المفسرين لأن معناها ظاهر في الآية)، و مثال ذلك من القرآن الكريم نفسه، قول الله عز و جل {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنَّ تَرَكَ خيرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حقًا عَلَى الْمُتَّقِينَ}[سورة البقرة الآية 180]، أي إذا ترك مالاً و هذه الآية تتحدث عن الإرث. فإذاً لا يوجد تناقض بل تكامل حيث أن الإنسان كفور لنعمة ربه وفوق هذا يحب المال و جمعه ..


سورة البلد


{لا أُقسِمُ بهذا البلد}
قال منذر يونس : ( لا .. النفي ليس له معنى ، يعني هي أكبر الإحتمالات أن الألف أضيفت طبعاً معروف بالتاريخ الإسلامي أنه كان في ومن الحجاج مثلاً أضيف ممكن أَلْف أَلِف للقرآن أضيفت للرسم في زمن الحجاج معروف).
أولاً لقد تقدم معنا ذِكر شبهته أنَّ الحجاج أضاف في القرآن الكريم، و كما تلاحظ عزيزي القارئ فهذا مجرد كلام مُرسل لا سند له، و نحن نطالبه بالرواية التي تقول هذا الكلام ولو ضعيفة هات لنا الرواية.
ثم قوله (لا .. النفي ليس له معنى)، فهل يا علامة العصر، "لا" تأتي بمعني النفي فقط ؟ سبحان الله يعني أي كلام للطعن في القرآن الكريم حتى و لو كان كذب.
قال ابن منظور رحمه الله :
(لا : اللَّيْثُ : لَا حَرْفٌ يُنْفَى بِهِ وَيُجْحَدُ بِهِ ، وَقَدْ تَجِيءُ زَائِدَةً مَعَ الْيَمِينِ كَقَوْلِكَ : لَا أُقْسِمُ بِاللَّهِ . قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَأَشْكَالِهَا فِي الْقُرْآنِ : لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ النَّاسِ أَنَّ مَعْنَاهُ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ.)[xxxiii]،
إذاً فـ(لا) لا تعمل فقط عمل (ليس) و لكن تأكيد القسم كذلك، و لذلك رشيد لم يفتح هذه المرة التفاسير لأن المعنى واضح.
قال محمد الطاهر ابن عاشور رحمه الله :
(وَلَا أُقْسِمُ بِمَعْنَى : أُقْسِمُ ، وَ " لَا " مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ ، وَأَصْلُهَا نَافِيَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَائِلَ لَا يُقْدِمُ عَلَى الْقَسَمِ بِمَا أَقْسَمَ بِهِ خَشْيَةَ سُوءِ عَاقِبَةِ الْكَذِبِ فِي الْقَسَمِ)[xxxiv]. إذاً فهذا القسم صحيح لا خطأ فيه بل الخطأ في عقول المعترضين.

{خلقنا الإنسان في كبد}
قال منذر يونس أن المفسرين أخطؤوا في تفسير (كبد) بالمشقة والصحيح أنه منتصب القامة، وهنا نستشهد بمعجم لشخص غير مسلم حتى لا يقول أن المسلمين يبررون ما جاء في القرآن الكريم.
قال الأب لويس معلوف اليسوعي :
(كَبَدَ – كَبْداً البَردُ القوم : شَقَّ عليهم و ضَيَّقَ. كَابَدَ كِبَاداً و مُكَابَدَةً الأمر : قَاساه و تَحَمَّل المَشاقّ في فعله | و – المسافر الليل : رَكِبَ هَوله و صُعوبته. الكَابِد (فا) : المٌكَابدة، الكَبَدُ : المَشَقَّة|الشدَّة. الكَبْداء : رحى اليد لما في إدارتها من مشقّة.)[xxxv]، إذاً بعيداً عن التفسير الإسلامي فالكلمة كما فَسَّرها المُفسرون لم يُخطئوا في تفسيرها بل كما قلنا الخطأ في عقل المعترض.
قال الإمام الشوكاني رحمه الله : ({لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} هَذَا جَوَابُ الْقَسَمِ ، وَالْإِنْسَانُ هُوَ هَذَا النَّوْعُ الْإِنْسَانِيُّ ، وَالْكَبَدُ : الشِّدَّةُ وَالْمَشَقَّةُ  يُقَالُ كَابَدْتُ الْأَمْرَ : قَاسَيْتُ شِدَّتَهُ ، وَالْإِنْسَانُ لَا يَزَالُ فِي مُكَابَدَةِ الدُّنْيَا وَمُقَاسَاةِ شَدَائِدِهَا حَتَّى يَمُوتَ ، وَأَصْلُ الْكَبَدِ الشِّدَّةُ ، وَمِنْهُ تَكَبَّدَ اللَّبَنُ : إِذَا غَلُظَ وَاشْتَدَّ ، وَيُقَالُ كَبِدَ الرَّجُلُ : إِذَا وُجِعَتْ كَبِدُهُ ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ شِدَّةٍ وَمَشَقَّةٍ ، وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي الْأَصْبَغ :ِ
لِي ابْنُ عَمٍّ لَوْ أَنَّ النَّاسَ فِي كَبَدٍ     لَظَلَّ مُحْتَجَزًا بِالنَّبْلِ يَرْمِينِي
قَالَ الْحَسَنُ : يُكَابِدُ مَصَائِبَ الدُّنْيَا وَشَدَائِدَ الْآخِرَةِ
وَقَالَ أَيْضًا : يُكَابِدُ الشُّكْرَ عَلَى السَّرَّاءِ ، وَيُكَابِدُ الصَّبْرَ عَلَى الضَّرَّاءِ ، لَا يَخْلُو عَنْ أَحَدِهِمَ.)[xxxvi].

إذاً أيها القارئ الكريم على القول الصحيح خُلق الإنسان في صورةٍ حسنةٍ وهذا لا يناقض أنه خلق في مشقة وهذا هو الواقع ، فالإنسان، حسن الصورة، يكابد مصائب الدنيا و مشاكلها. و قال رشيد (كبد : كبود اللي أصلها العبري و السامي يعني المُحْتَرَم، في أحسن الأحوال إلى غير ذلك، لقد خلقنا الإنسان في كبد، في أحسن صورة) ، أولاً يا رشيد ، ما دخل الإحترام بالحال الذي عليه الإنسان ؟ بل ما دخل الإحترام بصورة الإنسان ؟ أولم تقل أنت ومنذر يونس أن (كبود) تعني المحترَم (بفتح الراء) فما دخلها بصورة الإنسان ؟ ، و قال أيضاً رشيد معلقاً على صورة الإنسان الحسنة : (وهي تتفق تماماً مع الفكر المسيحي اللي كان منتشر في محيط محمد "عليه الصلاة و السلام" فإذاً هذه احتمال تعكس أفكار مسيحية ، لقد خلقنا الإنسان في أحسن صورة)، و هذا كذب محض ، فنظرة الكتاب المقدس للإنسان معلومة و معروفة.
جاء في سِفر الجامعة الإصحاح 3
(18 قُلْتُ فِي قَلْبِي: «مِنْ جِهَةِ أُمُورِ بَنِي الْبَشَرِ، إِنَّ اللهَ يَمْتَحِنُهُمْ لِيُرِيَهُمْ أَنَّهُ كَمَا الْبَهِيمَةِ هكَذَا هُمْ». 19 لأَنَّ مَا يَحْدُثُ لِبَنِي الْبَشَرِ يَحْدُثُ لِلْبَهِيمَةِ، وَحَادِثَةٌ وَاحِدَةٌ لَهُمْ. مَوْتُ هذَا كَمَوْتِ ذَاكَ ، وَنَسَمَةٌ وَاحِدَةٌ لِلْكُلِّ. فَلَيْسَ لِلإِنْسَانِ مَزِيَّةٌ عَلَى الْبَهِيمَةِ، لأَنَّ كِلَيْهِمَا بَاطِل
جاء أيضاً في سِفر أيوب الإصحاح 11 العدد 12
(أَمَّا الرَّجُلُ فَفَارِغٌ عَدِيمُ الْفَهْمِ، وَكَجَحْشِ الْفَرَا يُولَدُ الإِنْسَانُ)، و ندع للقارئ الكريم الحكم.

{أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (5) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً (6) أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ}
اعترض رشيد عن هذه الآيات بدعوى أنها مخالفة للقافية ولغة وعيد، وكلا القولين نابع عن جهل وسنرد عليه إن شاء الله رداً علمياً.
مخالفة للقافية :
و هل القرآن الكريم شعر يا رشيد حتى تتفوه بهذا الكلام ؟ سبحان الله... قال الله سبحانه و تعالى : {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ ۚ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ}[سورة الحاقة الآية 69] و قال الله عز و جل : {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ}[سورة يس الآية 69]. و الأدلة كثيرة من كتاب الله وغيره و هذه و لله الحمد كافية لرد ما زعمه رشيد، فهذا باطل لا أساس له من الصحة.

لغة وعيد :
كما قلنا آنفاً هذا القول نابع عن جهل، فمن يقول بمثل هذا القول جاهل برسالة محمد صلوات ربي وسلامه عليه ، فرشيد يحاول أن يوهم الناس أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام جاء مُبشراً فقط، و هذا كما قلنا جهل برسالته صلى الله عليه و سلم ، قال الله سبحانه و تعالى : {وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا}[سورة الإسراء الآية 17] و قال أيضاً سبحانه و تعالى : {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} [سورة الأحزاب الآية 33]، الآيات كثيرة جداً و أختم بقوله عز و جل : {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ۚ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [سورة الأعراف الآية 7]، إذاً فمن الطبيعي أن يتوعد الإنسان العاصي والكافر لأن النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء معنا في الآيات البينات أنه بشير ونذير صلوات ربي و سلامه عليه.

{و هديناه النجدين}
قال منذر يونس : ( و كمان كلمة النجدين ، كلنا تعلمنا أن النجدين معناها ... طريقين ، طريق الخير وطريق الشر، هذا خطأ مائة في المائة... شخص عربي يفهم العربية و يفهم القرآن عندما تهدي شخص إلى مكان ، تهديه إلى مكانين أو مكان واحد بشكل علم ؟ مكان واحد، هدى تهديه إلى الطريق الصحيح مش تهديه إلى طريقين مش اتْحَيْرُو يعني... مش هداية هدي) و قال أيضاً أن الإمام الطبري رحمه الله قال بأن النجدين تعني طريق الخير وطريق الشر فصار كلامه سُنَّة.
هذا الكلام سببه الجهل بمعنى الهداية وأنواعها في القرآن الكريم .
الهداية على أربعة أنواع كما عدها ابن القيم رحمه الله في كتابه بدائع الفوائد
وأول هذه الأنواع الهداية العامة المشتركة بين الخلق.
ثانيها هداية البيان والتوضح والدلالة.
ثالثها هداية التوفيق و الإلهام.
ورابعها الهداية إلى الجنة و النار إذا سيق أهلهما إليهما.
وطبعاً كما يتضح بمنذر يونس جعل كل هذه الأنواع في نوع واحد و ذلك في قوله : (هدى تهديه إلى الطريق الصحيح مش تهديه إلى طريقين مش اتْحَيْرُو يعني)، فاعتربها هداية التوفيق والإلهام، وهذا خطأ ، لأن الهداية في هذه الآية هي هداية بيان و توضيح، فهي كقوله عز و جل { وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى}[سورة فصّلت الآية 41] ، فالله عز وجل بين لهم طريق الخير من طريق الشر لكنهم استحبوا طريق الشر فعاقبهم. و قال عز وجل { إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا } [سورة الإنسان الآية 3] ، وهذه الآية الكريمة تُبيّن جيداً أن الهداية هنا تعني البيان، أي أن الله عز و جل بين له طريق الخير ليتبعه وأمره باتباعه ثم بين له طريق الشر ونهاه عن اتباعه.
 وأمَّا ما زعمه منذر يونس بالمثال الذي ضربه فهو ناقص، لأنك ممكن تبين لشخص الطريق الصحيح ولا تحذره من الطريق الخطأ بعد أن تبينه له ، فيقع في الطريق الخطأ لأنك لم تحذره منه، وبهذا يكون دائماً القرآن الكريم دقيقاً في معانيه وألفاظه فهذا كلام رب العالمين.
أمَّا قول منذر يونس أن كلام الإمام الطبري رحمه الله صار سُنَّة فهذا كلام لا أساس له من الصحة لأن:
أولاً هذا التفسير قال به الصحابة رضي الله عنهم ، ابن عباس و علي و ابن مسعود و غيرهم رضي الله عنهم.
ثانياً القرآن الكريم صريح في معناه في الهداية ولا يحتاج تفسير.
و قال منذر يونس : (و هديناه النجدين فانظر لإبن منظور، ابن منظور يعني أنا عَدِّيت عدد الكلمات اليي بيعرف فيها النجدين، النجد هو المرتفع ... 2500 كلمة يعرف بها جذر نجد وفي آخر أربع كلمات تحت يكتب : النجدين تعني الثديين، مخبيها تحث في آخر بعد 2500 كلمة ..) .
أولاً لا نعلم لماذا قال أنّ ابن منظور رحمه الله قد أخفى الكلمة، هل لأنه يخجل منها ؟ لَمَا ذكرها أساساً، بل والمشكل في نفس الشرح ذكر ابن منظور رحمه الله أن النجدين تعني أيضاً طريق الخير والشر.
قال رحمه الله : (قَالَ بِنَجْدَيْنِ مَوْضِعٌ يُقَالُ لَهُ نَجْدَا مَرِيعٍ ، وَقَالَ : فُلَانٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ . قَالَ : وَفِي لُغَةِ هُذَيْلٍ وَالْحِجَازِ مِنْ أَهْلِ النُّجُدِ . وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ : {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} ; أَيْ طَرِيقَ الْخَيْرِ وَطَرِيقَ الشَّرِّ ، وَقِيلَ : النَّجْدَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ الْوَاضِحَيْنِ . وَالنَّجْدُ : الْمُرْتَفِعُ مِنَ الْأَرْضِ ; فَالْمَعْنَى : أَلَمْ نُعَرِّفْهُ طَرِيقَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ بَيِّنَيْنِ كَبَيَانِ الطَّرِيقَيْنِ الْعَالِيَيْنِ ؟ قِيلَ : النَّجْدَيْنِ الثَّدْيَيْنِ.)[xxxvii]، فسبحان الله كيف يفكر الناس.


سورة التين


تتلخص مطاعن رشيد ومنذر يونس رشيد في سورة التين، أن القافية تتبدل، و كما تقدم معنا القرآن الكريم ليس بشعر بل كلام رب العالمين. و قال أيضاً أن قول الحق سبحانه و تعالى : {قَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6)} متناقض، حيث كيف يخلق الله عز وجل الإنسان في أحسن تقويم ثم يرده أسفل سافلين، وطبعاً قد تقدم معنا أن النبي عليه الصلاة و السلام جاء بشيراً و نذيراً فمجرد التنبيه على هذا نكون قد رددنا على ما ادعاه رشيد ، وسندكر إفادةً ذكرها العلامة محمد الطاهر ابن عاشور رحمه الله في تفسيره لسورة التين ، قول الله عز و جل {قَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}، هذه الآية الكريمة لا تتعلق فقط بالمظهر، بل هي كما ذكر جمعٌ من المُفسرين تتعلق بالباطن أيضاً ، فالله عز وجل خلقه في أحسن صورة ، ليس كباقي الدواب ، و نِعم الله عز و جل على الإنسان لا تنتهي هنا ، بل الله عز و جل ، فالإنسان مخلوق على حالة الفطرة الإنسانية التي فطر الله النوع ليتصف بآثارها ، وهي الفطرة الإنسانية الكاملة في إدراكه إدراكاً مستقيماً مما يتأدى من المحسوسات الصادقة ، أي : الموافقة لحقائق الأشياء الثابتة في نفس الأمر ، بسبب سلامة ما تؤديه الحواس السليمة ، وما يتلقاه العقل السليم من ذلك ويتصرف فيه بالتحليل والتركيب المنتظمين ، بحيث لو جانبته التلقينات الضالة والعوائد الذميمة والطبائع المنحرفة والتفكير الضار ، أو لو تسلطت عليه تسلطا ما فاستطاع دفاعها عنه بدلائل الحق والصواب ، لجرى في جميع شئونه على الاستقامة ، ولما صدرت منه إلا الأفعال الصالحة ، ولكنه قد يتعثر في ذيول اغتراره ويرخي العنان لهواه وشهوته ، فترمي به في الضلالات ، أو يتغلب عليه دعاة الضلال بعامل التخويف أو الإطماع فيتابعهم طوعا أو كرها ثم لا يلبث أن يستحكم فيه ما تقلده فيعتاده وينسى الصواب والرشد . ويفسر هذا المعنى قول النبيء - صلى الله عليه وسلم - : " ما من مولود إلا يولد على الفطرة ، ثم يكون أبواه هما اللذان يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه " الحديث.. و قد حكى ابن عطية عن الثعلبي عن أبي بكر بن طاهر أنه قال : ( تقويم الإنسان عقله وإدراكه اللذان زيناه بالتمييز ، ولفظه عند القرطبي قريب من هذا مع زيادة : يتناول مأكوله بيده ، وما حكاه الفخر عن الأصم أن { أحسن تقويم } أكمل عقل وفهم وأدب وعلم وبيان.)[xxxviii]، و عندما كفر الإنسان هذه النعمة رده الله أسفل سافلين، أي في الإعتقاد، قال ابن أبي أويس: قال مالك: أقبل علي يوما ربيعة فقال لي : من السفلة يا مالك ؟ قلت : الذي يأكل بدينه ، قال لي : فمن سفلة السفلة ؟ قلت : الذي يأكل غيره بدينه . فقال : ( زه ) وصدرني ( أي : ضرب على صدري يعني استحسانا ) . وأن المشركين كانوا أسفل سافلين لأنهم ظللهم كبراؤهم وأيمتهم فسولوا لهم عبادة الأصنام لينالوا قيادتهم .)[xxxix]، فالذين كفروا نعمة ربهم كما قال الإمام مالك رحمه الله هم أسفل سافلين، و هنا أتى استثناء الله عز و جل فليس كل الناس كفار فقال { إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ}، أي أن الذين آمنوا أجرهم غير مقطوع. إلى هنا ينتهي ردنا على ما ادعاه رشيد.


دراسة تحليلية لما ادّعاه رشيد



قال رشيد : (إذاً فاحتمال قرائتها يمكن يعطينا قراءات أخرى ليست المعاني التي أعطيت للنص أو الشكل أو التنقيط الذي للنص بالضرورة هو هو المقصود في الأول ربما تمت قراءة النص خطأً ربما عن تعمد تم تغييره ربما أشياء كثيرة..).

إذاً حسب زعم رشيد، بما أن النص غير منقط فيمكن قراءته بشكل مخالف لما كان عليه في الأول، و هذا باطل كما تقدم معنا بالأدلة أن النص ليس هو المعتمد لنقل القرآن الكريم بل الحفظ و السماع تواتراً. وما قاله رشيد في هذه الجملة سنناقشه في كتابه نقطةً نقطة.

تنقيط العهد القديم :
من المعلوم أن العهد القديم كُتِب باللغة العبرية، و تَمَّ تنقيطه و إدخال التشكيل إليه في القرن الثامن أي بعد تنقيد القرآن الكريم بحوالي قرن تقريباً، جاء في دائرة المعارف الكتابية : (ولسنا نعلم متى بدأ استخدام لقب " ماسوري" . ولكن في نحو 800م أطلق هذا اللقب - بدلاً من لقب " الكتبة" - الذين كرسوا أنفسهم للمحافظة على الأسفار المقدسة.وكانت أمامهم مسائل كثيرة تقتضي المعادلة، ومن أهمها الاهتمام بالنطق السليم للكلمات، وطريقة تلاوتها في أثناء الخدمة، وبخاصة إذا علمنا أنه لم تكن تكتب سوى الحروف الساكنة، ولقد بذلت مجهودات عظيمة في ذلك العمل فيما بين 800، 900م. وقد لقيت النتيجة التي توصلوا إليها قبولاً واسعاً، فحلت محل غالبية المخطوطات السابقة. ونظراً لأنهم (الماسوريين) قد قاموا بعملهم على أكمل وجه، لم يعد يطلق هذا اللقب على أحد فيما بعد ذلك، وأصبح هذا النص العبري يعرف باسم " النص الماسوري.)[xl]، و جاء أيضاً فيها :
(الكتابة بالحروف الساكنة وأهمية الحروف المتحركة:

إن الكتابة تقصر بعض الشيء عن نقل ألفاظ المتحدث ونبراته، فالتعبير الشفوي فيه عدة ملامح لا يمكن تسجيلها كتابة ،وقد أدخلت في اللغات الحديثة علامات الترقيم لتعطي فكرة أدق للتعبير عن نبرات صوت المتحدث. وهذه العلامات لم تكن معروفة في اللغة العبرية القديمة، بالإضافة إلى أن للكتابة في اللغات السامية القديمة لم تكن تعبر عن كل الفكرة كما تعبر عنها اللغات الحديثة، نظراً لأنه في غالبية الأحوال لم تكن تكتب من الكلمة سوى الحروف الساكنة (فيما عدا الخط المسماري)، ولم يكن ثمة سوى القليل من الحروف المتحركة، أو لم يكن هناك شيء منها على الإطلاق. ولم يكن هذا عيباً كبيرًا فيها، كما هو الحال في معظم اللغات الحديثة، وذلك لأن جذور الكلمات في اللغة السامية كانت تتكون من حروف ساكنة، ولم تكن وظيفة الحروف المتحركة إلا تسهيل نطق الحروف الساكنة، ونقل فكرة عن صورة الحديث وزمنه وصيغته وأُسلوبه وكل ما يتعلق به، بل حتى اللغات الهندوأوربية لا تصعب قراءتها بدون حروف متحركة.

ولكن الكلمة المكتوبة بالحروف الساكنة فقط ـ بدون حروف متحركة يمكن النطق بها بطرق مختلفة، ولكن من سياق الكلام يمكن أن نتبين نطقها الصحيح.

وبعد السبي البابلي حلت اللغة الأرامية تدريجياً محل اللغة العبرية، حتى صار استعمال العبرية في النهاية قاصراً على الأغراض الدينية والأدبية فقط . واستمر استخدامها في خدمة المجمع، كما كان الناس يقرأون أسفار العهد القديم في بيوتهم بالعبرية. وقد سمع الأطفال ذلك النص مراراً وأصبح هناك ميل إلى الحفاظ على هذا التقليد شفوياً حيث كانت تنطق الحروف المتحركة في مواضع محددة . ومن الطبيعي جداً أن يتغير نطق الحروف الساكنة والمتحركة عبر القرون الطويلة، متأثرة في ذلك باللغة العامية المستخدمة في الحديث، سواء في الأرامية أو اليونانية أو العبرية. وأخيراً تبين لحراس الكتب المقدسة، ضرورة إيجاد طريقة أفضل لإحكام نطق الحروف المتحركة بدلاً من مجرد وجود هذه الحروف أو عدم وجودها ، فاهتدت مراكز العلم اليهودية في بابل، إلى نظام وضع النقط أو بعض العلامات الأخرى فوق حروف معينة لتدل على الحرف المتحرك التالي ونشأ في فلسطين نظام آخر شبيه إلى حد ما بالسابق. ثم نشأ نظام ثالث في طبرية في فلسطين، استبدلت فيه العلامات التي كانت توضع تحت الحروف الساكنة في النظام السابق، بعلامات توضع فوقها،وسرعان ما ساد هذا النظام، واستخدم فيما بعد ذلك في نسخ المخطوطات ثم في طباعة الكتب العبرية.)[xli]"
إذاً العهد القديم لم يكن مُنقطاً و تم تنقيطه و تشكيله فيما بين 800م و 900م و قبل هذه الفترة تغير نطق الحروف الساكنة و المتحركة، و بما أنَّ المعتد في العهد القديم هو النص فقد تم تنقيط العهد القديم بتلك التغييرات التي حصلت في النطق، و بالتالي فرشيد حكم على كتابه بالتحريف.

أخطاء في النص

1- أخطاء حصلت سهواً :
جاء في دائرة المعارف الكتابية : (عند نسخ أي كتاب بخط اليد، لابد أن تحدث أخطاء عند النقل سواء سهواً أو عمداً - في بعض الأحيان - وعند استنساخ هذه النسخة تنتقل أخطاء النسخة المنقول عنها إلى النسخة الجديدة علاوة على ما يحدث من الناسخ الجديد من أخطاء واختلافات عند النقلوهكذا كلما زاد عدد مرات النسخ بين مخطوطة أصلية إلى أن نصل إلى مخطوطة من عصر متأخر، زاد عدد الأخطاء والاختلافات في المخطوطة الأخيرة،)[xlii]
يعني عند نسخ الكتاب المقدس حصلت أخطاء من النُّساخ سواء سهواً أوعمداً، و عند نَسْخْ نُسَخ جديدية من القديمة ينسخها النُّساخ بأخطائها و يدخلون أيضاً أخطاء جديدة و اختلافات أخرى، حتى وصلنا نص مليء بالأخطاء.
و جاء في نفس الكتاب أيضاً :
(1 ختلافات عفوية :
 (أو عن غير عمد) أو أقل تكراراً، وتشمل هذه الاختلافات العفوية أخطاء النظر والسمع والذاكرة والكتابة والاجتهاد )
أما أخطاء النظر فتشمل الالتباس بين الحروف المتشابهة وبخاصة في الكتابة بالحروف الكبيرة المنفصلة، أو الخلط بين أحد الاختصارات وكلمة معينة قريبة الشبه به، وقد تنتقل عين الناسخ من كلمة إلى الكلمة نفسها ولكن في موضع لاحق فيسقط بذلك الكلمات المتوسطة بينهما. وقد يقرأ الكلمة الواحدة أو العبارة الواحدة مرتين، أو قد يخلط بين كلمتين متقاربتين في الحروف.
وقد تنشأ أخطاء السمع عندما تكتب جماعة من النسَّاخ المخطوطات عن طريق الاملاء، وبخاصة لتشابه بعض الحروف في نطقها، كما قد يخطئ الناسخ في هجاء بعض الكلمات.
أما أخطاء الذاكرة فقد ينتج عنها تغيير موضع الكلمة في الجملة، أو استبدال كلمة بما يرادفها، أو أن تدخل كلمة أو عبارة عفواًنقلاًعن فترة مماثلة تحويها الذاكرة.
أما أخطاء الكتابة فقد تشمل إضافة أو حذف حرف أو عدة حروف أو حذف علامات الاختصار، او تكرار كلمة أو عبارة أو حرف.
أما أخطاء الاجتهاد ـ بالإضافة إلى الأخطاء السابقة ـ فقد تدفع الناسخ إلى تسجيل ملحوظة هامشية باعتبارها جزءاً من النص نفسه، ويجد البعض في هذا تفسيراً لما ورد في إنجيل يوحنا (5: 3و4) عن تحريك الماء، حيث يغلب أنها كانت عبارة هامشية أدخلها الناسخ في النص.)[xliii]

2- أخطاء حصلت عمداً :
جاء في نفس المصدر السابق : (ولهذا فعند نسخ أي سفر من أسفار العهد الجديد ـ في تلك الفترة المبكرة ـ كان ينسخ للاستعمال الشخصي بواسطة كاتب غير متخصص، وعلاوة على ذلك، فإنه لما كان فحوى السفر أو الرسالة هو أهم شيء، لم يكن الناسخ يحس بالضرورة أنه ملزم بنقل النص بنفس ترتيب الكلمات أو التفاصيل التي لا تؤثر في المعنى.أما في حالة الأسفار التاريخية، فكان النسَّاخ ـ على ما يبدو ـ يشعرون أحياناً بحرية إضافة بعض التفصيلات الصغيرة للتوضيح. وفضلاً عن ذلك، لم تكن للديانة المسيحية ـ في الفترة المبكرة للعهد الجديد ـ لدى السلطات السياسية مكانة تشجع على القيام بمقارنة واسعة لمخطوطات العهد الجديد في ذلك العصر، كما أنه من العسير تحاشي الاختلافات والأخطاء حتى مع افتراض أفضل النوايا في الدقة عند الناسخ، ومن ثم تجمعت كل هذه العوامل فنتج عنها وجود بعض الاختلافات بين المخطوطات في الفترة الأولى بعد أن تمت كتابة كل أسفار العهد الجديد. واستمرت هذه الفترة إلى أن حصلت المسيحية على اعتراف السلطات بها رسمياًفي أوائل القرن الرابع، وإن يكن معظم هذه الاختلافات ـ التي لها أهميتها في تحقيق النصوص ـ قد ظهرت في النصف الأول من تلك الفترة.)[xliv]، و جاء في الصفحة التالية من نفس الجزء :
(3- اختلافات مقصودة :
وقعت هذه الاختلافات المقصودة نتيجة لمحاولة النسَّاخ تصويب ما حسبوه خطأ، أو لزيادة إيضاح النص أو لتدعيم رأي لاهوتي. ولكن ـ في الحقيقة ـ ليس هناك أي دليل على أن كاتباً ما قد تعمد إضعاف أو زعزعة عقيدة لاهوتية أو إدخال فكر هرطوقي.)[xlv].
و نُقَدِّم لرشيد هذه الهدية، في نفس الكتاب الصفحة التالية : (وقد حدثت أحياناً بعض الإضافات لتدعيم فكر لاهوتي،كما حدث في إضافة عبارة  "واللذين يشهدون في السماء هم ثلاثة" (1يو5: 7) حيث أن هذه العبارة لا توجد في أي مخطوطة يونانية ترجع إلى ما قبل القرن الخامس عشر، ولعل هذه العبارة جاءت أصلاً في تعليق هامشي في مخطوطة لاتينية، وليس كإضافة مقصودة إلى نص الكتاب المقدس ، ثم أدخلها أحد النُّسَّاخ في صلب النص.)[xlvi].

و قال أيضاً شنودة ماهر إسحاق : (وقد أظهر باك في دراسته عن طريقة أوريجانوس في مُقارنة النُّصُوص الكتابية أنَّ أوريجانوس يُرجع الفروق في القراءات إلى أسباب أربعة هي:
1-             أخطاء أثناء عملية النَّقل بالنَّساخة نتيجة انخفاض درجة التَّركيز عند النَّاسِخ في بعض الأحيان.
2-             النُّسَخ التي يتلفها الهراطقة عمداً ببثّ أفكارهم فيها أثناء النَّساخة.
3-     التَّعديلات التي يُجريها بعض النُّسّاخ عن وعي وبشيء من الاندفاع بهدف تصحيح ما يرون أنَّه أخطاء وقعت من نُسّاخ سابقين أو اختلاف عن القراءة التي اعتادوا سماعها.
  4- تعديلات بهدف توضيح المعنى المقصود في العبارة.)[xlvii]
و نكتفي بهذا القدر فهو كافٍ شافٍ لكل طالب حق.
كُنَّا قد قُلنا في أوَّل الرّد أن النقد النصي علم يُطَبَّق على عمل مكتوب ضاع أصله، فنلجأ للنقد النصي كي نقيم نصاً يكون أقرب ما يمكن من الأصل الأوَّل، و طَبعاً بيَّنا بالدليل أن القرآن الكريم ليس عمل مكتوب، و بقي لنا الكتاب المقدس، و مما لا يختلف فيه اثنان و لا ينتطح فيه عنزان أنَّ الكتاب المقدس عملٌ مكتوب ضاع أصله، قال شنودة ماهر إسحاق : (ليس بين أيدينا الآن المخطوطة الأصلية, أي: النُّسْخَة التي بِخَطّ كاتب أي سفر من أسفار العهد الجديد أو العهد القديم. فهذه المخطوطات ربما تكون قد اسْتُهْلِكَت من كثرة الاستعمال, أو رُبَّما يكون بعضها قد تَعَرَّض للإتلاف أو الإخفاء في أزْمِنَة الاضطهاد, خُصُوصاً وأن بعضها كان مكتُوباً على ورق البردي, وهو سريع التَّلَف. ولكن قبل أن تختفي هذه المخطوطات الأصلية نُقِلَت عنها نُسَخ كثيرة.)[xlviii] ولا نريد أن نُكثِر من المصادر لأن هذا معروف و لا يخفى إلا على العامة أو بعضهم، إذاً المسيحيين لا غِنى لهم عن النقد النصي لمعرفة أصلهم خصوصاً ما حصل من إضافات للكتاب المقدس كما تقدم معنا (و طبعاً هذا دليل على التَّحريف)، يقول الأستاذ رياض يوسف داود : (إنَّ الأناجيل نفسها تُشجِّع عملية النَّقد. فالقارئ العادي يشعر بوجود اختلافات بين الإنجيليِّين في سرد الحادثة الواحدة. وعمل النَّقد هو تفسير تِلك الاختلافات من جِهة, وإدراك رؤية يسوع كما كان يراه مُعاصروه (مسيح التّاريخ) من جِهة أخرى. والنَّقد ليس جديداً في الكنيسة. فمُنذ النِّصف الثاني من القرن الثاني بعد الميلاد, برز السُّؤال التالي: لِمَ ثمَّة أربع روايات عن حياة يسوع وتعاليمه ؟ ولِمَ لا نقع على رواية واحدة مُتجانسة تعتمد على الرِّوايات الأربع ؟)[xlix]، و ليس هذا فقط فالمسيحي مُلزَمٌ باللجوء إلى النقد النصي، يقول الأستاذ رياض يوسف داود : (نحن لا نملك نُصُوص الأناجيل الأصليَّة, فهذه النُّصُوص نُسِخَت وحصلت أخطاء فيها أثناء النَّسْخ, وغالباً ما نقع على قراءات مُتَعَدِّدَة للآية الواحدة عبر مُختلف المخطوطات التي وصلت إلينا, فأية قراءة نعتمد ؟ .. لذلك يتحتَّم علينا الرُّكُون إلى عِلْم نقد النُّصُوص للوُصُول عبر مُختَلَف المخطوطات إلى النَّص الأصليّ. فعلم نقد النُّصُوص يهدف إلى الوُصُول إلى أقرب ما يمكن من الأصل الأول. وأوَّل عمل هل هو النَّظر في جميع نُسَخ النَّص, بحيث تُحصى وتُرتَّب جميع الوثائق التي يرد فيها نصّ العهد الجديد كلّه أو بعضه, ولا يقتصر الأمر على مُراجعة الكُتُب المخطوطة باليونانية, بل تُراجع جميع الكُتُب التي تحتوي على ترجمة العهد الجديد التي استعملها المسيحيُّون في القُرُون الأولى (اللاتينية - السُّريانية - القبطية), فهي تشهد على حالة للنَّص أقدم ممّا يُمكن الوصول إليه بمُراجعة أقدم الأصول اليونانية.)[l].
نكتفي بهذا القدر و نمر إلى نقطةٍ مُهِمةٍ تَلَفَّظ بها رشيد، قال أن القرآن الكريم الذي بين أيينا الآن لا يشبه القرآن الذي كان في زمن رسول الله صلى الله عليه و سلم و طبعاً هذا كلام مرسل و باطل كما تقدم معنا، و سنبين للقارئ الكريم أن ما قاله رشيد ينطبق على كتابه المقدس، جاء في كتاب العهد القديم كما عرفته كنيسة الإسكندرية : (ترجع الاختلافات بين السبعينية وبين النَّص الماسّوري العبري إلى المراحل التاريخية التي تطوَّر منها كل نصّ حتى وصل إلينا في وضعه الحاي.)[li] ، قال المهندس رياض يوسف داود : (كان الكِتاب يُنْسَخ نَسْخ اليَد في بداية العَصْر المسيحي, وكانوا يَنْسَخُون بأدوات كِتابيَّة بِدائيَّة, عن نُسَخ مَنْسُوخة, ولقد أدْخَل النُّسّاخ الكثِير من التَّبْدِيل والتَّعْدِيل على النُّصُوص وتَراكَمَ بَعْضُهُ على بَعْضِهِ الآخر, فكان النُّص الذي وَصَلَ آخر الأمر مُثْقَلاً بألوان التَّبْدِيل التي ظَهَرَت في عَدَدٍ كبيرٍ من القِراءات؛ فما إن يُصْدَر كتابٌ جديدٌ حتى تُنْشَر له نُسْخاتٌ مَشْحُونَةٌ بالأغلاط.)[lii] ، تقول الترجمة الرهبانية اليسوعية : (إنَّ نُسَخَ العهد الجديد التي وصلت إلينا ليست كلها واحدة بل يُمكن المرء أن يرى فيها فوارق مختلفة الأهمية ولكن عددها كثيرٌ جداً على كل حال، هناك طائفة من الفوارق لا تتناول سوى بعض قواعد الصرف والنحو أو الألفاظ أو ترتيب الكلام، ولكن هناك فوراق أخرى بين المخطوطات تتناول معنى فقرات برمتها.
واكتشاف مصدر هذه الفوارق ليس بالأمر العسير ، فإن نص العهد الجديد قد نسخ ثم نسخ طوال قرون كثيرة بيد نساخ صلاحهم للعمل متفاوت ،  وما من واحد منهم معصوم من مختلف الأخطاء التي تحول دون أن تتصف أي نسخة كانت – مهما بُذل فيها من الجهد بالموافقة التامة للمثال الذي أخذت عنه ، يُضاف إلى ذلك أن بَعْضَ النُّسَّاخِ حاولوا أحياناً ، عن حُسْنِ نية أن يُصَوِّبُوا ما جاء في مِثَالِهم وبَدَا لهم أنه يحتوي أخطاء واضحة أو قلة دقة في التعبير اللاهوتي ، وهكذا أدخلوا إلى النص قراءات جديدة تكاد أن تكون كلها خطأ ، ثم يمكن أن يضاف إلى ذلك كله أن استعمال كثير من الفقرات من العهد الجديد في أثناء إقامة شعائر العبادة أدَّى أحيانا كثيرة إلى إدخال زخارف غايتها تجميل الطقس أو إلى التوفيق بين نصوص مختلفة ساعدت عليه التلاوة بصوت عالٍ .
ومن الواضح أن ما أدخله النساخ من التبديل على مَرِّ القرون تراكم بعضُه على بعضِه الآَخَر . فكان النَّصُّ الذي وصل آخرَ الأمرِ إلى عهد الطباعة مُثْقَلاً بمختلف ألوان التبديل ، ظهرت في عدد كبير من القراءات.)[liii].

إلى هنا يكون ردنا قد انتهى، لا تنسونا من صالح دعائكم، و بنعمة الله تتم الصالحات.

____________________________________________________


[i] كتاب – اللمعة الشهية في نحو اللغة السريانية – طبع في الموصل سنة 1879 – ص 8

[ii] فقه اللغة العربية وخصائها – د.إميل يعقوب – صفحة 113

[iii] الإتقان ج 2 ص 632 .

[iv] فضائل القرآن ص 211 .

[v] مناهل العرفان ج 1 ص 205 .

[vi] رواه مسلم في الصحيح 51 : ك : الجنة وصفة أهلها 16 : ب : الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار ح 7 ص 394 ح 2865 .

والنسائي في الكبرى 75 : ك : فضائل القرآن 49 : ب : قراءة القرآن على كل الأحوال ح 8070 ، 8071 ج 5 ص 25 . والبغوي في شرح السنة ج 14 ص 407 .

وأحمد في المسند ج 4 ص 164 ح 17519 ، وإسناده صحيح على شرط مسلم .

[vii] المفهم ج 7 ص 163 .

[viii]فتاوي بن تيمية ج 13 ص 215 .

[ix] فتح الباري شرح صحيح البخاري – ط دار المعرفة - بيروت ، 1379 – ج 9 ص 31

[x] النشر في القراءات العشر – ط التجارية الكبرى – ج 1 – ص 9

[xi] لسان العرب – ط دار المعارف – ص 3221

[xii] المعجم الوسيط – مكتبة الشروق الدولية ط 4 – ص 588

[xiii] التحرير و التوير – الدار التونسية للنشر – ج 30 – ص 498

[xiv] المصدر السابق ص 499

[xv] فتح الباري شرح صحيح البخاري - دار المعرفة – بيروت – ج 8 ص 727

[xvi] مجموع فتاوى شيخ الإسلام – مجمع الملك فهد – ج 26 ص 129

[xvii] روح المعاني في تفسير القرآن الكريم والسبع المثاني – دار إحياء الثرات – ج 30 ص 217

[xviii] المعجم الوسيط – ص 717

[xix] المصدر السابق

[xx] المنجد في اللغة و الأدب و العلوم – المطبعة الكاثوليكية – ص 611

[xxi] لسان العرب لإبن منظور – دائرة المعارف – ص 3541

[xxii] التحرير و التنوير للطاهر ابن عاشور – دار سحنون – ج 31 ص 500

[xxiii] تيسير الكريم الرحمان في تفسير كلام المنان – مؤسسة الرسالة - 932

[xxiv] التفسير الكبير – دار الكتب العلمية – ص 60

[xxv] التحرير و التنوير – دار سحنون – ج 31 ص 501

[xxvi] لسان العرب – ط دار المعارف – ص 4527

[xxvii] المعجم الوسيط – مكتبة الشروق الدولية ط 4 – ص 1031

[xxviii] لسان العرب – ط دار المعارف – ص 4833

[xxix] التحرير و التنوير – دار سحنون – ج 31 ص 501

[xxx] المصدر السابق

[xxxi] المنجد في اللغة و الأدب و العلوم – المطبعة الكاثوليكية – ص 699

[xxxii] التحرير و التنوير – دار سحنون – ج 31 ص 502

[xxxiii] لسان العرب – دار المعارف – ص 3972

[xxxiv] التحرير و التنوير – دار سحنون – ج 28 ص 330

[xxxv] المنجد في اللغة و الأدب و العلوم – المطبعة الكاثوليكية – ص 669

[xxxvi] فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية - دار المعرفة - ص 1623

[xxxvii] لسان العرب – دار المعارف – ص 4347

[xxxviii] التحرير و التنوير لمحمد الطاهر ابن عاشور – دار سحنون – ج 31 ص 426

[xxxix] المصدر السابق ص 428، 429

[xl] دائرة المعرف الكتابية – دار الثقافة – ج 3 ص 298

[xli] المصدر السابق ص 298، 299

[xlii] المصدر السابق ص 279

[xliii] المصدر السابق ص 294

[xliv] المصدر السابق ص 293

[xlv] المصدر السابق ص 294

[xlvi] المصدر السابق ص 295

[xlvii] شنودة ماهر إسحاق: مخطوطات الكتاب المُقدَّس بلغاتها الأصلية, الأنبا رويس بالعباسية – صـ20

[xlviii] المصدر السابق ص 19

[xlix] مدخلٌ إلى النَّقد الكِتابي, دار المشرق ببيروت – صـ5

[l] المصدر السابق ص 26, 27

[li] العهد القديم كما عرفته كنيسة الإسكندرية, دار مجلة مرقس – صـ79

[lii] مدخلٌ إلى النَّقد الكِتابي, دار المشرق ببيروت – صـ 23

[liii] الترجمة الرهبانية اليسوعية ص12 ، ص13، مقدمة العهد الجديد، ط دار المشرق – بيروت.

http://answerrachid.blogspot.com/2013/12/336_3444.html


هناك 6 تعليقات:

  1. حججك قديمة غير علمية ولا منطقية معذرة أوراق التوت أصبحت تسقط على ديننا

    ردحذف
    الردود
    1. اذن منك أستفيد كيف تكون الردود العلمية

      حذف
  2. بارك الله فيكم وعلى ردكم

    ردحذف
  3. بارك الله فيكم وعلى ردكم

    ردحذف
  4. بارك الله فيكم و على ردكم

    ردحذف
  5. بارك الله فيكم و على ردكم

    ردحذف